السيد حيدر الآملي
247
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
ملكة راسخة في نفسه كتب وعذّب بها يوم تقوم الساعة . قال : ويحتمل أن يكون الحفظة على العباد هم بأعيانهم من الحفظة لهم ، فإنّ النّفس تحفظ في جوهرها ما يفعله من خير وشرّ وتحصّيه يوم البعث على نفسها إذا زالت عنها الغواشي البدنيّة وتجده مصوّرا مفصّلا لا يغيب عنها منه شيء كما قال تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَه ُ أَمَداً بَعِيداً [ سورة آل عمران : 30 ] . وكما قال تعالى : وَنُخْرِجُ لَه ُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاه ُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ سورة الإسراء : 13 - 14 ] . وكما قال تعالى : إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ [ سورة العاديات : 9 - 10 ] . وقال : وأمّا معنى كونهم من ملائكة السّماء فلأن أصلهم من ملائكة السّماء ، ثمّ أرسلوا إلى الأرض ، واللَّه أعلم . وأمّا السّدنة لأبواب جنانه : فقد عرفت ما قيل فيهم . قوله : فمنهم الثابتة في الأرضين السّفلى أقدامهم ، المارقة من العليا أعناقهم ، والخارجة من الأركان أقطارهم ( من الأقطار أركانهم ) والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم : فاعلم أنّ هذه الأوصاف وردت في صفة الملائكة الحاملين للعرش في كثير من الأخبار ، فيشبه أن يكونوا هم المقصودون بها هاهنا ، وروى عن ميسرة أنّه قال : أرجلهم في الأرض السفلى ، ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم ، وهم أشدّ خوفا من أهل السّماء السّابعة ، وأهل السّماء السّابعة أشدّ خوفا من أهل السّماء السّادسة ، وهكذا إلى سماء الدنيا ( 99 ) .
--> ( 99 ) قوله : وروي عن ميسرة . . . إلخ . أخرجه السيوطي في تفسيره « الدرّ المنثور » في سورة غافر الآية 7 ، ج 7 ، ص 276 ، وردت الأحاديث الكثيرة في حملة العرش لا بأس بذكر بعضها هنا مزيدا للفائدة : روى الصدوق ( رض ) في « الخصال » باب الثمانية ، الحديث 4 ، ص 407 ، بإسناده عن الصادق ( ع ) قال : إنّ حملة العرش ثمانية ، لكلّ واحد منهم ثمانية أعين ، كلّ عين طباق الدنيا . وروى أيضا بإسناده في المصدر نفسه ، الحديث 5 ، بإسناده عن الإمام الصادق ( ع ) قال : إنّ حملة العرش ثمانية ، أحدهم على صورة ابن آدم يسترزق اللَّه لولد آدم ، والثاني على صورة الدّيك يسترزق اللَّه للطير ، والثالث على صورة الأسد يسترزق اللَّه للسّباع ، والرابع على صورة الثور يسترزق اللَّه للبهائم ، ونكّس الثور رأسه منذ عبد بنو إسرائيل العجل ، فإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية . وقريب منه رواه القمّي في تفسيره ج 1 ، ص 85 وفيه بدل الدّيك : النّسر ، وعنه البحار ج 58 ، ص 21 ، الحديث 38 . وأخرج السيوطي في « الدرّ المنثور » ج 7 ، ص 275 قريبا منه ، عن مكحول ، عن رسول اللَّه ( ص ) ، إلَّا أنّ فيه أيضا عوض الدّيك : النّسر ، ولا توجد فيه الجملة الأخيرة : فإذا كان . . . إلخ . وأخرج أيضا فيه عن وهب ، قال : حملة العرش أربعة ، فإذا كان يوم القيامة أيّدوا بأربعة آخرين ، الحديث . وروى الصدوق ( رض ) في « معاني الأخبار » باب معنى العرش ، الحديث 1 ، ص 29 ، بإسناده عن الصادق ( ع ) قال : العرش في وجه هو جملة الخلق والكرسيّ دعاؤه ، وفي وجه آخر العرش هو العلم الَّذي أطلع اللَّه عليه أنبياءه ورسله وحججه ، والكرسيّ هو العلم الَّذي لم يطلع ( اللَّه ) عليه أحدا من أنبيائه ورسوله ( ورسله ) وحججه ( ع ) . وفي تفسير القمّي في تفسير سورة الحاقّة الآية 17 : * ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ) * . قال : حملة العرش ثمانية ، أربعة من الأوّلين ، وأربعة من الآخرين ، فأمّا الأربعة من الأوّلين : فنوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ( ع ) ، وأمّا الأربعة من الآخرين : فمحمّد ( ص ) ، وعليّ ، والحسن ، والحسين ، ومعنى « يحملون العرش » يعني العلم . راجع ج 2 ، ص 384 ، وبحار الأنوار ج 58 ، ص 27 ، الحديث 43 . وفي أصول الكافي ، باب العرش والكرسيّ ، ج 1 ، ص 129 ، الحديث 1 ، روى بإسناده عن أمير المؤمنين ( ع ) في حديث : قال : إنّ العرش خلقه اللَّه تعالى من أنوار أربعة : نور أحمر منه احمرّت الحمرة ، ونور أخضر منه اخضرّت الخضرة ، ونور أصفر منه اصفرّت الصفرة ، ونور أبيض منه ابيضّ البياض وهو العلم الَّذي حمّله اللَّه الحملة ، وذلك نور من عظمته فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين ، الحديث . وأيضا فيه الحديث 2 ، بإسناده عن أبي الحسن الرضا ( ع ) قال : العرش ليس هو اللَّه ، والعرش اسم علم وقدرة ، وعرش فيه كلّ شي ، الحديث . قال صدر المتألَّهين في كتابه « شرح أصول الكافي ) ( ج 3 ، ص 336 ، ط ج ) في شرح هذا الحديث : وأمّا اختلاف ألوانها من الحمرة والخضرة والصفرة والبياض ، كما وصفه ( ع ) فذلك : لأنّ كلّ ما يوجد في المعاليل من الذات والصفة لا بدّ أن يكون في عللها الفعّالة ما هو بإزائه لكن هناك على وجه يليق بها ، إذ نسبة المجعول إلى الجاعل نسبة الظلّ إلى ذي ظلّ ، . . . فتلك الأنوار الأربعة لمّا كانت أسبابا فعّالة لهذه العناصر ، فلها صفات هي أصول الصفات التي توجد لهذه العناصر ، فالنور الأحمر يناسب من العناصر النار ومن الأخلاط الأربعة الدّم ومنه احمرّ كلّ حمرة في هذا العالم ، والنور الأخضر يناسب الأرض والسوداء ومنه اخضرّ كلّ ذي خضرة ، والنور الأصفر يناسب الهواء والصفراء ومنه اصفرّ كلّ أصفر ، والنور الأبيض يناسب الماء والبلغم ومنه ابيضّ كلّ أبيض . قوله ( ع ) : وهو العلم الذي حمله اللَّه الحملة وذلك نور من عظمته ، قد سبق : أنّ القلب الانسانيّ الذي هو في العالم الصغير الانساني بإزاء العرش ، وقد قال في ص 335 : المراد بعرش الربّ : القلب الانسانيّ الذي هو محلّ معرفة اللَّه وحامل علمه وعند الاستكمال يصير عين المعرفة والعلم ، كما رآه الحكماء : إنّ النفس الانسانيّة المسمّاة بالقلب في عرف الشريعة تصير عقلا محضا ونورا صرفا . وأيضا في الحديث 6 ، بإسناده عن الإمام الصادق ( ع ) قال : حملة العرش - والعرش : العلم - ثمانية : أربعة منّا وأربعة ممّن شاء اللَّه . وأيضا فيه الحديث 7 ، بإسناده عن الإمام الصادق ( ع ) قال في الآية الكريمة : * ( وَكانَ عَرْشُه ُ عَلَى الْماءِ ) * [ هود : 38 ] . إنّ اللَّه حمّل دينه وعلمه الماء قبل أن يكون أرض ، أو سماء ، أو جنّ ، أو إنس ، أو شمس ، أو قمر ، فلمّا أراد اللَّه أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم : من ربّكم ؟ فأوّل من نطق : رسول اللَّه ( ص ) وأمير المؤمنين ( ع ) والأئمّة صلوات اللَّه عليهم ، فقالوا : أنت ربّنا ، فحملهم العلم والدّين ، ثمّ قال للملائكة : هؤلاء حملة ديني وعلمي وامنائي في خلقي وهم المسؤولون ، الحديث . أقول : المتحصّل من هذه الأحاديث هو أنّ الحاملون للعرش طائفتان : طائفة يحملون العرش لأجل أن يعملوا في العالم وهم : المدبّرات الأمر وغيرهم ، وأمّا الطائفة الثانية يحملون حقيقة العرش - وهو العلم - وهم الأنبياء والرسول الخاتم ( ص ) والأئمّة المعصومون ( ع ) ، فيكون قبلهم هو عرش الرّحمن كما جاء في الحديث : « قلب المؤمن عرش الرّحمن » . وجاء في الحديث القدسيّ : « لم يسعني سمائي ولا أرضي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن » . وروي أيضا : « القلب حرم اللَّه ، ولا تسكن في حرم اللَّه غير اللَّه » . ولعلَّه نظرا إلى هذه الأحاديث ونظيرها ، قال الصدوق ( رحمة اللَّه عليه ) : اعتقادنا في العرض أنّه جملة جميع الخلق ، والعرش في وجه آخر هو العلم . . . وأمّا العرش الذي هو جملة جمع الخلق فحملته ثمانية من الملائكة ، لكلّ واحد ثماني أعين ، كلّ عين طباق الدّنيا ، . . . وأمّا العرش الذي هو العلم فحملته أربعة من الأوّلين وأربعة من الآخرين . . . هكذا روي بالأسانيد الصحيحة عن الأئمّة ( ع ) في العرش وحملته . بحار الأنوار ج 58 ، ص 7 .